جمال مبارك في أول حوار لصحفي معارض ! ا
وسط ركام من صور الغرقى والعطشى والمدهوسين تحت منصات بلدهم بتتقدم بيهم، تمخض الجبل عن فأر الرغبة، لماذا لا أتحاور مع جمال مبارك؟ أرسلت بالطلب لمكتبه وفى اليوم التالى جاءنى الاتصال.
ــ ألو... أستاذ عازاز مساء الخير
< أهلاً ــ وبقلق ــ مين معايا؟ ــ الأول هل أنطق اسمك بشكل صحيح أم لا؟
ــ اسمى عزازى بك المهم أنت مين؟
. ــ أنا جمال مبارك ياعزازى بك.
تأكدت من جدية الصوت وحيادية المشاعر، إنه ليس أحد أصدقائى أصحاب المقالب.
< معقولة بالسرعة دى، على العموم أنا أشكرك. ــ الشكر لك أنت، لأنك طلبت حواراً معى رغم أنكم جرنال معارض.
< قلت بلغة المعارضة التليفزيونية: نحن نعارض المواقف والسياسات لا الأشخاص. ــ إحنا فى مركب واحد، ولو غرق حنغرق كلنا.
< أفهم من كده أن سيادتك موافق على الحوار. ــ طبعاً وفوراً، أمال اتصلت بك ليه؟
< طيب إمتى الموعد المناسب لحضرتك؟ ــ إن شاء الله غداً فى الحزب تسعة مساءً.
< معلهش يا أستاذ جمال، اعذرنى، بلاش الحزب. ــ ليه بقى؟
< نفسى أقابلك فى مكان بسيط وجهاً لوجه، رجل لرجل بلغة الكورة بعيداً عن منطقة نفوذك وهيلمانك. ــ يا سيدى زى ما تحب، حدد أنت المكان اللى يناسبك.
< بصراحة أنا لا أرتاح إلا فى قهوة الحاج سعيد فى شارع فيصل. ــ بس دى مسألة صعبة جداً، لأن المكان محتاج تأمين وإجراءات، وأنت فاهم الباقى.
< أنا عايز حوار مختلف، والإجراءات دى حتفسد كل شىء. ــ لا تنسى أنا معروف والناس حافظة شكلى.
< لا تقلق سعادتك، لم أنس هذا، فقد فكرت فى كل شىء، شوف يا سيدى أنت ممكن تغير فى شكلك بإضافة شنب مثلاً أو سكسوكة، وياريت تلبس ملابس عادية من فرع صيدناوى العتبة مثلاً، ولو غاوى المستورد ياسيدى، أطلع على وكالة البلح، وبعدين مش حقولك أركب ميكروباص فيصل من عبدالمنعم رياض، لا ياسيدى دلع نفسك على الآخر وأركب تاكسى، وقل له قهوة الحاج سعيد فرساى، ده أشهر من الملك فيصل نفسه. ــ والله مش عارف أقولك إيه، أنت فاجأتنى، بس كلامك برضه مثير ومغرى، حلوة قوى شنب وسكسوكة وهدوم من الوكالة وقهوة الحاج سعيد.
< يعنى نقول على بركة الله، ده أنت حتنور المنطقة من كفر طهرمس لشارع كعبيش. ــ لكن اسمع حسك عينك أى حد يعرف الكلام ده، المسألة مش هزار.
ــ الله ياجمال بك إحنا قد المسئولية، توكل على الله وإن شاء الله الحوار حيكسر الدنيا، أحسن من حوارات البيت بيتك.
نفسى أعرف مصر بجد، لأننى لا أعرفها
وفى الغد، وفى تمام التاسعة مساء الأربعاء 7 نوفمبر، كنت أجلس على مقهى فرساى (درة المطبعة والتعاون وحسن محمد) فى انتظار وصول الأستاذ جمال، قلق الترقب، وسخونة الاحتشاد الذهنى، وزحام شريط الذاكرة، ومراقبة ظل الثوانى والدقائق، تقترب الساعة الآن من العاشرة، ولم يصل جمال، توترت جداً، فطلبت الفنجان الخامس من القهوة السادة المغلية، وحاولت طرد الوساوس بكركرة عشر حجارة «سلوم»، كان صوت الدقات المتتابعة لقواشيط الطاولة، يزعج الجنين فى بطن أمه، الساعة الآن تقترب من الحادية عشرة مساءً، أخشى الاتصال بجمال حرصاً على أمن اللقاء، لأنى لو اتصلت سيعرف العادلى بالموضوع، وفى ثوان معدودة سيكون سكان فيصل تحت الإقامة الجبرية، وربما تعرضت حياة الوريث للخطر، لكن حدثتنى نفسى الأمارة بتأويلات النخب المحبطة.. لا ياعم، تلاقيه هو اللى اتصل بالأجهزة علشان يأمن نفسه، المسألة مش لعبة، ده راجل عاوز يحكم مصر، إيه يعنى لقاء صحفى مثير وكلام فارغ، بلاش إنه حيقول لحد من المسئولين الكبار، مؤكد أنه حيقول لخديجة، وطبعاً حتتشعلق فى رقبته، وتنقح بالصوت الحيانى: على جثتى يا جمال، مش ممكن أسيبك لأولاد عبدالخالق ثروت دول، مستحيل. ا
ــ ألو... أستاذ عازاز مساء الخير
< أهلاً ــ وبقلق ــ مين معايا؟ ــ الأول هل أنطق اسمك بشكل صحيح أم لا؟
ــ اسمى عزازى بك المهم أنت مين؟
. ــ أنا جمال مبارك ياعزازى بك.
تأكدت من جدية الصوت وحيادية المشاعر، إنه ليس أحد أصدقائى أصحاب المقالب.
< معقولة بالسرعة دى، على العموم أنا أشكرك. ــ الشكر لك أنت، لأنك طلبت حواراً معى رغم أنكم جرنال معارض.
< قلت بلغة المعارضة التليفزيونية: نحن نعارض المواقف والسياسات لا الأشخاص. ــ إحنا فى مركب واحد، ولو غرق حنغرق كلنا.
< أفهم من كده أن سيادتك موافق على الحوار. ــ طبعاً وفوراً، أمال اتصلت بك ليه؟
< طيب إمتى الموعد المناسب لحضرتك؟ ــ إن شاء الله غداً فى الحزب تسعة مساءً.
< معلهش يا أستاذ جمال، اعذرنى، بلاش الحزب. ــ ليه بقى؟
< نفسى أقابلك فى مكان بسيط وجهاً لوجه، رجل لرجل بلغة الكورة بعيداً عن منطقة نفوذك وهيلمانك. ــ يا سيدى زى ما تحب، حدد أنت المكان اللى يناسبك.
< بصراحة أنا لا أرتاح إلا فى قهوة الحاج سعيد فى شارع فيصل. ــ بس دى مسألة صعبة جداً، لأن المكان محتاج تأمين وإجراءات، وأنت فاهم الباقى.
< أنا عايز حوار مختلف، والإجراءات دى حتفسد كل شىء. ــ لا تنسى أنا معروف والناس حافظة شكلى.
< لا تقلق سعادتك، لم أنس هذا، فقد فكرت فى كل شىء، شوف يا سيدى أنت ممكن تغير فى شكلك بإضافة شنب مثلاً أو سكسوكة، وياريت تلبس ملابس عادية من فرع صيدناوى العتبة مثلاً، ولو غاوى المستورد ياسيدى، أطلع على وكالة البلح، وبعدين مش حقولك أركب ميكروباص فيصل من عبدالمنعم رياض، لا ياسيدى دلع نفسك على الآخر وأركب تاكسى، وقل له قهوة الحاج سعيد فرساى، ده أشهر من الملك فيصل نفسه. ــ والله مش عارف أقولك إيه، أنت فاجأتنى، بس كلامك برضه مثير ومغرى، حلوة قوى شنب وسكسوكة وهدوم من الوكالة وقهوة الحاج سعيد.
< يعنى نقول على بركة الله، ده أنت حتنور المنطقة من كفر طهرمس لشارع كعبيش. ــ لكن اسمع حسك عينك أى حد يعرف الكلام ده، المسألة مش هزار.
ــ الله ياجمال بك إحنا قد المسئولية، توكل على الله وإن شاء الله الحوار حيكسر الدنيا، أحسن من حوارات البيت بيتك.
نفسى أعرف مصر بجد، لأننى لا أعرفها
وفى الغد، وفى تمام التاسعة مساء الأربعاء 7 نوفمبر، كنت أجلس على مقهى فرساى (درة المطبعة والتعاون وحسن محمد) فى انتظار وصول الأستاذ جمال، قلق الترقب، وسخونة الاحتشاد الذهنى، وزحام شريط الذاكرة، ومراقبة ظل الثوانى والدقائق، تقترب الساعة الآن من العاشرة، ولم يصل جمال، توترت جداً، فطلبت الفنجان الخامس من القهوة السادة المغلية، وحاولت طرد الوساوس بكركرة عشر حجارة «سلوم»، كان صوت الدقات المتتابعة لقواشيط الطاولة، يزعج الجنين فى بطن أمه، الساعة الآن تقترب من الحادية عشرة مساءً، أخشى الاتصال بجمال حرصاً على أمن اللقاء، لأنى لو اتصلت سيعرف العادلى بالموضوع، وفى ثوان معدودة سيكون سكان فيصل تحت الإقامة الجبرية، وربما تعرضت حياة الوريث للخطر، لكن حدثتنى نفسى الأمارة بتأويلات النخب المحبطة.. لا ياعم، تلاقيه هو اللى اتصل بالأجهزة علشان يأمن نفسه، المسألة مش لعبة، ده راجل عاوز يحكم مصر، إيه يعنى لقاء صحفى مثير وكلام فارغ، بلاش إنه حيقول لحد من المسئولين الكبار، مؤكد أنه حيقول لخديجة، وطبعاً حتتشعلق فى رقبته، وتنقح بالصوت الحيانى: على جثتى يا جمال، مش ممكن أسيبك لأولاد عبدالخالق ثروت دول، مستحيل. ا
قطع سوء الظن توقف تاكسى (مهكع) صف ثالث بجوار المقهى، ونزول جمال، بالشكل الذى اتفقنا عليه، وقد أعطاه الشارب جاذبية شعبية خاصة، هرولت لاستقباله فهو لا يعرف شكلى بالطبع، ثم صحبته للترابيزة التى أجلس عليها، كان وجهه مشدوداً مكدوداً مطرقاً برأسه إلى أسفل، كمن وقع فى مصيبة، حاولت التخفيف مع الترحيب باستخدام اسم الدلع (جيمى)، كنت مشفقاً على حالته، يأكلنى الفضول لمعرفة ماحدث وسر التأخير لأكثر من ثلاث ساعات، لكنى قلت: الراجل يشرب حاجة ويستريح، ثم نبدأ الكلام والسؤال والذى منه، فطلبت له أغلى وأرقى المشاريب (الشاب ابن ناس برضه) وناديت دون استئذانه: واحد فخفخينا وشيشة تفاح بسرعة. والغريب أن جمال، بدا كأخ أصغر مطيع، وضع المبسم فى يد وبالأخرى حمل كوب العصير بالفواكه، .. دقائق معدودة، عاد فيها الهدوء إلى قسماته، فأرخى رجليه، وانطلق فى وصلة شد ونفخ وكح.
... ودون مباغتة وبأريحية خالصة بادرنى بالحديث:
ــ انت عارف أنا حاسس بإيه دلوقتى؟
< لا والله، بس متخيل بعض الحاجات. ــ سيبك من الخيال وكلام المثقفين والسياسيين واسمح لى الأول أناديك بالأخ أو بعز.
< والنبى بلاش عز صاحبك، خليها زيزو مثلاً، لأنه كان هداف فى مرمى الخصم، إنما عز بتاعك أهدافه فى المرمى بتاعنا. ــ ماشى يازيزو، أنا حاسس أنى اتفطمت النهاردة.
< إزاى؟ ــ كل اللى شفته النهاردة واللى عملته، كان لأول مرة، التاكسى والتكتك وهمفرس ومستشفى بولاق التعليمى والقهوة والشيشة التفاحة.
< على مهلك يا جمال بك وواحدة واحدة. ــ أقول إيه ولا إيه، وابدأ منين، ده كأن الثلاث ساعات دول عمر بحاله، .. أنا زى ما أكون خارج من تلاجة أو صوبة بلاستيك، وباشوف الدنيا لأول مرة، بعد ماعشت عمرى كله فى جو معقم زى غرفة عناية مركزة، الناس فيها زى الأجهزة والأسلاك والأنابيب والمونيتور، وكله شغال بالريموت كونترول... عمرى ما شفت حد هفتان من الجوع والمرض، أو مرعوب من مصاريف العيال، أو عنده استعداد يقتل علشان عشرة جنيه، أو عائلة نايمة كلها على الرصيف، وأنا عايش فى فرح منصوب 24 ساعة، زفة مستمرة، دايماً حواليا ناس بتضحك وبتصقف، وساعات أسمع زغاريد، طبعاً غير اليفط والميكروفات وعبارات الترحيب والنفاق، وكاميرات وفلاشات زى نجوم السينما، وأساتذة
جامعة على أعلى مستوى، بيقولوا كلام كبير.
... كان يتحدث بدون ترتيب، بتدفق شديد وأسى، لكنه فجأة انقطع عن الكلام ومال بظهره للخلف، وترك مبسم الشيشة على الترابيزة، ثم أسند خديه على كفيه، وخرج صوته محشرجاً.. أنا تعبان محتاج أى مهدئ.
.. ربت على كتفه، وناديت على الواد شريف: واحد ليمون بسرعة واجرى هات لى شريط موتيفال من الاجزخانة.. اقتربت بالكرسى أكثر وصرت ملاصقاً له حينما رأيته يضغط بأسنانه على فكه، ويئن بصوت واهن.
< مالك؟ ــ صداع.. صداع، حيفرتك دماغى.
< لا سلامتك، أنت حتاخذ القرص وتشرب الليمون، وحتبقى عال.. اجمد ياراجل. ــ ماتخافش، أنا بعد شوية حابقى كويس.
< أنت جالك الصداع ده قبل كده. .. ضحك جمال بتهكم وقال: وده ييجى منين بقى، لا طبعاً
<عارف ياجمال بيه، أنت دلوقتى بتفكرنى بإيه.>
ــ إيه ياسيدى، بس أرجوك مش عاوز اسمع كلام فى السياسة والتوريث والكلام الفارغ ده.
< لا والله، ما تقلقش، أنا شايفك زى مايكون واحد طالع من جراحة صعبة وبنج، ودلوقتى فى حالة إفاقة. ــ يا ابن الأيه، بالظبط، أشكرك على هذا التشبيه، فعلاً أنا كده تمام.
< الحكاية لم تكتمل بعد ياجيمى، لكن قبل ما تكمل، أنت شايف ازاى قرارات المؤتمر التاسع للحزب الوطنى. ... زم شفتيه بامتعاض، ثم تحدث بلهجة جادة وحاسمة: أرجوك نحن الآن نتحدث عن مصر التى أراها لأول مرة، فلا تسألنى عن المعلبات.
< وماذا تقصد بالمعلبات ياهندسة؟ ــ الأول أحب أصحح لك، إسمها هندزة، كما نطقها سائق التاكسى الذى كدت أقبل يده ليرضى بتوصيلى لشارع فيصل من مصر الجديدة بعد ما قاولنى وأخذ الثلاثين جنيه مقدماً، كان طول الطريق ينادينى بكلمة (هندزة).ا
< المهم ياهندزة، تقصد إيه بالمعلبات؟ ــ أقصد كل الكلام الجاهز والقيادات الجاهزة والقرارات سابقة التجهيز، وكل ده علب متبرشمة ومختومة، يعنى ناس غير حقيقيين، وكلام غير حقيقى، وقرارات ليس لها علاقة بالواقع.
< كل ده سيادتك اكتشفته فى ثلاث ساعات. ــ ياراجل، أنا عارف حاجة!! ده أنا لسه داخل النهاردة (كى جى وان).ا
< يا استاذ جمال بلاش تواضع، رغم أنى محترم حالتك دلوقتى جداً. ــ ده أنت قلبت لى دماغى.
< والله ده شرف ياجمال بيه، بس لعلمك اللى حصل الليلة دى عدل دماغك مش قلبها. ــ عدل، قلب، مش هى دى المشكلة المهم دلوقتى عاوز أروح لأنى تعبان جداً، ومحتاج أنام. وبعدين لنا لقاء طويل، ومش لقاء واحد إحنا لازم نتقابل كتير.
< خلى بالك إحنا لسه ماعملناش الحوار، وكمان أنت لازم تحكى لى رحلة الثلاث ساعات. ــ مش الليلة دى، لكن باختصار شديد جداً جداً، أنا وقفت حوالى نصف ساعة، من مصر الجديدة، أقول فيصل، السواقين يجروا، لحد ما واحد وقف وطلب 30 جنيه للتوصيلة، وبعدها حصلت كوارث وسمعت من السواق بلاوى، لكن أهم حاجة أن واحدة ست حامل على آخرها ركبت معانا من العباسية ورايحة تولد فى مستشفى بولاق التعليمى. وهناك شفت أفلام أكشن، وركبت التوك توك من هناك ولف بى فى حتت عجيبة، همفرس والشوربجى وطهرمس لحد ما وصلت فيصل، وبعدين أخذت تاكس وجئت على هنا.
< وسواق التاكسى الأولانى راح فين؟ ــ لأ بقه ده موضوع لوحده محتاج مخرج وشركة إنتاج ضخمة.
< إيه يعنى فيه تمثيل؟ ــ تمثيل عمرى ما شفته، قال إيه، الست الحامل علشان تولد لازم بطاقة جوزها، وطبعاً لاجوزها موجود، ولا هى معاها بطاقة، إيه بقى اللى يحصل، إن السواق يقدم بطاقته جدعنة، على أنه الأب.. الحكاية طويلة.. ثم بدأ جمال يقهقه بصوت عال جعل الحاج سعيد صاحب المقهى، يأتى بكرسيه ويجلس معنا، فرحبت به، وقدمت له ضيفى، وقلت: الأستاذ (جمال حسنى) وفقط، ابتسم الحاج، وهرولت على أثر ابتسامته شلة القهوة، بخيت وعطية وعبدالفتاح وعبدالنبى وبغدادى، وكان جمال جالساً بأدب جم وآذان صاغية، وفى العادة تتشكك ثقافتنا الشعبية فى الغرباء الصامتين، وهو ما جعل الواد خالد يميل على أذن طارق ويقول له بصوت سمعناه: يعنى يا أخى.. جمال مبارك.. وما أن سمع جمال هذه القفشة حتى راح فى حالة ضحك هيستيرى، فضحكت وضحك كل الحضور، ومن بين قهقهاته مال جمال على أذنى: أنا عاوز شقة ايجار جديد فى فيصل، فملت عليه هامساً: بس بشرط تبطل موضوع الوراثة خالص.
< لا والله، ما تقلقش، أنا شايفك زى مايكون واحد طالع من جراحة صعبة وبنج، ودلوقتى فى حالة إفاقة. ــ يا ابن الأيه، بالظبط، أشكرك على هذا التشبيه، فعلاً أنا كده تمام.
< الحكاية لم تكتمل بعد ياجيمى، لكن قبل ما تكمل، أنت شايف ازاى قرارات المؤتمر التاسع للحزب الوطنى. ... زم شفتيه بامتعاض، ثم تحدث بلهجة جادة وحاسمة: أرجوك نحن الآن نتحدث عن مصر التى أراها لأول مرة، فلا تسألنى عن المعلبات.
< وماذا تقصد بالمعلبات ياهندسة؟ ــ الأول أحب أصحح لك، إسمها هندزة، كما نطقها سائق التاكسى الذى كدت أقبل يده ليرضى بتوصيلى لشارع فيصل من مصر الجديدة بعد ما قاولنى وأخذ الثلاثين جنيه مقدماً، كان طول الطريق ينادينى بكلمة (هندزة).ا
< المهم ياهندزة، تقصد إيه بالمعلبات؟ ــ أقصد كل الكلام الجاهز والقيادات الجاهزة والقرارات سابقة التجهيز، وكل ده علب متبرشمة ومختومة، يعنى ناس غير حقيقيين، وكلام غير حقيقى، وقرارات ليس لها علاقة بالواقع.
< كل ده سيادتك اكتشفته فى ثلاث ساعات. ــ ياراجل، أنا عارف حاجة!! ده أنا لسه داخل النهاردة (كى جى وان).ا
< يا استاذ جمال بلاش تواضع، رغم أنى محترم حالتك دلوقتى جداً. ــ ده أنت قلبت لى دماغى.
< والله ده شرف ياجمال بيه، بس لعلمك اللى حصل الليلة دى عدل دماغك مش قلبها. ــ عدل، قلب، مش هى دى المشكلة المهم دلوقتى عاوز أروح لأنى تعبان جداً، ومحتاج أنام. وبعدين لنا لقاء طويل، ومش لقاء واحد إحنا لازم نتقابل كتير.
< خلى بالك إحنا لسه ماعملناش الحوار، وكمان أنت لازم تحكى لى رحلة الثلاث ساعات. ــ مش الليلة دى، لكن باختصار شديد جداً جداً، أنا وقفت حوالى نصف ساعة، من مصر الجديدة، أقول فيصل، السواقين يجروا، لحد ما واحد وقف وطلب 30 جنيه للتوصيلة، وبعدها حصلت كوارث وسمعت من السواق بلاوى، لكن أهم حاجة أن واحدة ست حامل على آخرها ركبت معانا من العباسية ورايحة تولد فى مستشفى بولاق التعليمى. وهناك شفت أفلام أكشن، وركبت التوك توك من هناك ولف بى فى حتت عجيبة، همفرس والشوربجى وطهرمس لحد ما وصلت فيصل، وبعدين أخذت تاكس وجئت على هنا.
< وسواق التاكسى الأولانى راح فين؟ ــ لأ بقه ده موضوع لوحده محتاج مخرج وشركة إنتاج ضخمة.
< إيه يعنى فيه تمثيل؟ ــ تمثيل عمرى ما شفته، قال إيه، الست الحامل علشان تولد لازم بطاقة جوزها، وطبعاً لاجوزها موجود، ولا هى معاها بطاقة، إيه بقى اللى يحصل، إن السواق يقدم بطاقته جدعنة، على أنه الأب.. الحكاية طويلة.. ثم بدأ جمال يقهقه بصوت عال جعل الحاج سعيد صاحب المقهى، يأتى بكرسيه ويجلس معنا، فرحبت به، وقدمت له ضيفى، وقلت: الأستاذ (جمال حسنى) وفقط، ابتسم الحاج، وهرولت على أثر ابتسامته شلة القهوة، بخيت وعطية وعبدالفتاح وعبدالنبى وبغدادى، وكان جمال جالساً بأدب جم وآذان صاغية، وفى العادة تتشكك ثقافتنا الشعبية فى الغرباء الصامتين، وهو ما جعل الواد خالد يميل على أذن طارق ويقول له بصوت سمعناه: يعنى يا أخى.. جمال مبارك.. وما أن سمع جمال هذه القفشة حتى راح فى حالة ضحك هيستيرى، فضحكت وضحك كل الحضور، ومن بين قهقهاته مال جمال على أذنى: أنا عاوز شقة ايجار جديد فى فيصل، فملت عليه هامساً: بس بشرط تبطل موضوع الوراثة خالص.
فأشاح بيده.. ومين يقدر يحكم شارع فيصل أصلاً، لا ياعم أنا من بكره منسحب من كل مواقعى فى الحزب، لأنى محتاج عمرين قد عمرى علشان أعرف مصر.... وحينما توجس أهل الشيشة من حولنا الملامح الجدية فى كلامى مع جمال، ضحكت عالياً، ففهم الفولة، وقهقه معى، فقهقه الجميع، وأصابتنى نوبة من العطش الشديد أفقت بعدها على صوت زوجتى.. تنبهنى للاستيقاظ. ا


1 comment:
أولا ..صباح الفل يا دكتور ..
ثانيا ..ألف مبروك المدونة ..
موضوع حوارك مع جمال مبارك تحفة ..رائع ..قعدت أضحك على جيمي ضحك!..يعني خديجة سابته يجي لحد عندك..كده اتأكدت انها هي اللي عايزة تمسك الحكم!..تحياتي يا أستاذي الجميل ..ربنا يبارك فيك
Post a Comment