Saturday, November 24, 2007

جاسوس تحت التمرين

جاسوس تحت التمرين


حينما يستقر في وعي ويقين قطاع كبير من الشباب أن (إسرائيل) أحن عليه من مصر، تبقي خيبة الأمل راكبة صاروخ كروز، لن نتحدث عن آلاف لا نعرف علي وجه الدقة عددهم من الذين عبروا الحدود بكامل وعيهم وإرادتهم وبعد تفكير وتدبير وفحص وتدقيق، ومعاناة تئن منها الجبال، والذين تستقبلهم تل أبيب كجواسيس تحت التمرين، لكن الأخطر ـ الآن ـ هو حالة خلق القابلية للعبور ويستوي في ذلك العابرون إلي الغرق المؤكد في بحر الهجرة للشمال، أو الذين يخلعون عقولهم وضمائرهم ومناعتهم الوطنية قبل النفاذ من السلك الحدودي الشائك مع دولة العدو، ولتسقط بالتالي كل الأجندات والمشاريع والخطب الرنانة ولا مؤاخذة الحراك السياسي، ما الذي يحدث للمصريين، الله يخرب بيت النظام كله من الوزير للخفير؟! المعذبون في السجون والأقسام يطالبون باللجوء لـ (إسرائيل) المهمشون في صحاري الإهمال والنسيان يلجأون للحدود الشرقية، العاطلون يفرون إليها، شباب البحث العلمي يستجدون حق اللجوء، المدونون يتساءلون في براءة فادحة: هي مصر عملت لنا إيه؟وأخيرا قال إيه، شاب صعيدي قح مسكوه عند نقطة رفح الحدودية، اسمه أحمد عطا الله.. رايح فين يأبو حميد؟ رايح (إسرائيل).. تنيل إيه هناك؟ رايح اشتغل، وبكي الولد، وبكت معه كل حبات الرمل المخضب بدم الشهداء في سيناء، طبعا لم ينشغل رجال الأمن وفرسان الاعتقالات بمشكلة أحمد التي تعتبر جزءا من الأمن القومي، فيأخذ الولد من يده، ويذهب به للباشمهندس أحمد عز الذي يشفط هو وزملاؤه الأنتيم خيرات مصر، ويطلب منه تعيين القفل أحمد عطا الله في شركاته، لكن كل الذي حدث ويحدث، امسك، اضرب، سيب!! لتبقي المشكلة علي حالها، وليحاول أحمد مرة أخري العبور إلي جهنم العدو، بعد أن أصبح ماء جنة مصر غورا، لن تستطيع له طلبا.وبالمرة «2800» سوداني يفترشون الحدائق في (إسرائيل) بعد نجاحهم في عبور سيناء، فمصر «أبو الغيط» تركت جمل السودان بما حمل، وتفرغت لحصار إمارة غزة بالتنسيق مع الفاتنة سالومي وزيرة خارجية رام الله وتل أبيب، فاكرين لما غلابة السودان نصبوا الخيش في ميدان مصطفي محمود، حصل لهم إيه؟ إنهم الآن يضطجعون في حدائق القدس، وكلهم ثقة أن الأمن الصهيوني سيكون أرحم عليهم من أمن دولة النيل الواحد، والنيلة الواحدة.طيب حاجة ثانية.. فاكرين كلمة «عبور» ماذا كانت تعني في الضمير والوجدان المصري؟الآن وبعد شعار «العبور إلي المستقبل» المصحوب بصورة رجل عجوز بدون كرافتة، أصبح العبور للخيبة بالويبة هو البرنامج الحقيقي.

Tuesday, November 20, 2007

الكادر سيد بن طنطاوي

الكادر سيد بن طنطاوي

توصيل الفتاوي للمنازل «الفري» أصبح هو المنهج السائد في مصر الركود، والبعض- للأسف- وجه أسهمه للدعاة الصغار من أهل الروشنة الفقهية، باعتبارهم أصل الداء والبلاء، رغم أنهم مجرد أرزقية يشترون بآيات الله ثمنا قليلا .. رغم أن معظمهم ليسوا من حفظة القرآن،لكن الأصل في القضية هو الشيخ المرجع العالم الفقيه، ا لذي وصل لدرجة جعلت الأزهر يرجح فقهه علي فقه الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل، فهو شيخ الأزهر منارة العلم والعلماء ومثابة المسلمين، الموقع كبير وخطير والرجل مؤهل نظريا للمكان والمكنة ولكن وآه وألف آه من «ولكن» هذه، فالشيخ منذ اللحظة الأولي لتوليه المسئولية يحاول جاهدا أن يسترضي أهل الحكم، وهو حب بالطبع في ذلك كرجل يتبوأ موقعا تنيفيذيا يصدر رئيس الجمهورية قرار تعيينه لكن الذي ليس هو حر فيه أن يخضع الدين وجلال الموقع وهيبة للفتاوي والسلطانية، والأمثلة أكثر من الحصر، يعرفها الجميع، والمشكلة أن كبار المسئولين السياسيين من رئيس الجمهورية حتي الوزراء أقل تشددا في الدفاع عن قناعتهم الواهية وقرراتهم الوهمية وانتخاباتهم المزورة بعكس الكادر سيد بن طنطاوي، فعلي سبيل المثال، في التصويت علي التعديلات الدستورية «المسخرة» لم تستطع الحكومة ومجلسها وكتابها وحزبها اقناع الناس بالتصويت أو المشاركة فلجأت لما تلجأ له دائما بتعبئة الموظفين في الأتوبسيات مع بعض ا لرشاوي البسيطة، والتي منها علي سبيل المثال لا الحصر،احتساب يوم عمل بالإضافة لمبلغ يتراوح من عشرين إلي مائة جنيه، وعليهم وجبة وقرصين « فياجرا» يعني الحكومة تبوس الرجلين وتستغل فقرة الغلابة لكي تضمن وجود بعض المناظر أمام الكاميرات الأجنبية، أما الكادر سيد سيد طنطاوي فجاب من الآخر.. «الذي لايذهب للتصويت فهو آثم لأنه كاتم الشهادة» الله الله يابو الكوادر، وبالطريقة نفسها يفتي بجلد الصحفيين المعارضين، ويفتي بأحقية ابن الرئيس في الوراثة، فتاوي سياسية واقتصادية وأيضا سياحية كفتواه القديمة بأن حمل شركة مصر للطيران للخمور علي طائرتها حلال شرعا، وهو يمارس الفتوي بفتوة وفتونة فلا يعلب بالألفاظ بطريقة تدل علي الحرج وصعوبة الموقف والصياغة بل يفتي بطريقة جريئة قاطعة، ويستخدم أحيانا ألفاظا شديدة الحدة والهجوم علي معارضيه بل ويضطر الكادر الكبير لاستمعال يده كما حدث في قبلة الجامع الأزهر مع أحد المصلين ولا يتورع المرجع السني الوقور عن طرد الصحفيين والصحفيات من مكتبه والغريب بأنه لم يقل مرة واحدة «لا» كالتي قالها الإمام مالك ومن قال لافقد أفتي، ولم يختم فتواه مرة بالجملة التي اعتدنا سماعها، قديما، «هذا والله أعلم وبالله التوفيق» والشيخ الكادر قادر علي تحويل برنامج الحزب الوطني إلي فتاوي، علي اعتبار أن كل ماجاء فيه حلال بين، أما برامج وشعارات ومطالب المعارضة فهي حرام شرعا، لأنها تنكر ما هو معلوم من السلطة بالضرورة ولذلك فموضوع البول ورضة الكبير حاجة تافهة وساذجة جدا لأنها لا تمثل شيئا لا تنفع ولا تضر فلن يشرب أحد بول البهائم ولن تقوم أي امرأة بارضاع زميلها في العمل لكن الكارثة الكبري هي الفتاوي السلطانية التي تصدر عن أكبر مرجع إسلامي وخلاصتها أن كل مايصدر عن الدولة حلال زلال، وكل ما يصدر عن المعارضين الرافضين حرم شرعا والغريب أن ايقاع الرجل السرع فبمجرد صدور قرار سياسي يتزامن معه أو يليه مباشرة فتي دينية وللأف ينظر الشيخ للرأي الآخر المخالف لسيادتهخ نظرة عدائية، ضيقة الأفق فلايعرف سعة صدر العلماء والنتيجة سقوط هيبة الأزهر والموقع ومعهما هيبة الفتوي الدينية وهيبة الدولة المصرية التي صار المتحدثون باسمها كوادر برتبة مشايخ، وصار الرجل قدوة لمشايخ آخرين، أحدهم أفتي في هذا الأسبوع بحرمة الاضرابات والاعتصامات ونخشي أن يأتي يوم نسمع في ه فتوي تقول أن الديمقراطية من عمل الشيطان.

Sunday, November 18, 2007

تعذيب المتعة

تعذيب المتعة



«الحمد لله، أنا بخير وكل المعتقلين حالتهم ممتازة، ولا ينقصنا شيء، إدارة السجن وفرت لنا كل حاجة، ومعاملتهم علي خير ما يرام، بصراحة القعدة هنا أحسن من سجن البيت، ولا تنسي سلامي وقبلاتي لإكرام وطمئني أمي، وبالمناسبة الزنازين هنا نزحوا فيها ماء المجاري، ونحن نعاني بشدة، والسلام» كانت هذه رسالتي القصيرة التي بعثت بها عبر شاويش سجن المحكوم بطرة لزوجتي الصحفية المناضلة سوسن الدويك، لإصرارها أن تتلقي الرد علي الزيارة مكتوباً بعد حرمانها من رؤيتي، المهم أن سوسن التقطت بذكاء أن الجملة الأخيرة في الرسالة هي صلب الموضوع، وأن المقدمة الطويلة عن حسن المعاملة كان الهدف منها تضليل الشاويش، لأنه حتماً سيقرأ الأجزاء الأولي ويطمئن، وفي اليوم الثاني تصدر خبر تعذيب المعتقلين المحتجين علي مشاركة الصهاينة في المعرض الدولي عام 1995 صحف المعارضة، كان ذلك قبل دخول الموبايل والديجتال ولم يكن التعذيب قد تحول إلي موضة وروشنة، فتاريخ التعذيب بصرف النظر عن تطور أساليبه كان مرتبطاً بالحصول علي معلومات، أو ممارسة الضغط علي المتهم للاعتراف، لكن إشكالية التعذيب الآن أنه لم يعد بهدف التحقيق في وقائع، أو الإكراه علي الاعترافات، فالكثيرون تصدر بحقهم أحكام نهائية بالبراءة أو بقضاء مدة العقوبة، ومع ذلك يستمر التعذيب الذي لم يعد وسيلة بل هدفاً وغاية، فكل الحوادث والاعتداءات يتم التوسع في عملية القبض والاشتباه لتتخطي المتهمين إلي أقاربهم وذويهم وجيرانهم وأصدقائهم، أمهات وبنات وأبناء صغار السن، فالقضية توزن بالكيلو والاهتمام صار بالحجم، ومن المعروف في علم نفس الجريمة ثم أن التوسع في عملية القصة يدل علي عدم كفاءة أمنية، وأيضا عدم كفاية الأدلة، ومع ذلك يتعرض الجميع لجرعات من التعذيب تشيب لهولها الشياطين وليس هناك فروق بين المتهم الأول والعاشر، إذن فقد تحول التعذيب إلي هدف، ثم تحول بعد ذلك إلي متعة وفن، يمارسها فرد الأمن بمنتهي التلذذ والأريحية، يضبط كاميرا الموبايل، ويطالب الأخ الأمين عادة المشهد، ويظل يلقي بالأوامر كمخرج محترف: «عايز قفا أكثر ـ اضبط الخازوق شوية ـ اقطع حتة من لسانه وخليه يأكلها ـ التعليق من رجل واحدة يا غبي».. كليب لذيذ ومثير أكثرمن كليبات جاد شويري، لكن أصحاب فلسفة التعذيب بالتصريحات والتشريعات تضايقوا كثيرا بعد أن تحول التعذيب من وسيلة إلي غاية ثم إلي متعة، فلم يتوقعوا أن تصل الشفافية لدرجة التصوير والنشر والعلانية، ولذلك اخترع أهل التعذيب العلوي المادة 179 دستور، لأنها ستتيح أعلي درجة من السرية والإخفاء فالمعتقل من لحظة الاختطاف بالاشتباه العشوائي إلي يوم وفاته أوعودته لن يعرف أحد عنه شيئاً، وسوف يتلقي من الجرعات ما يجعله كالأخرس حتي نهاية حياته.

Saturday, November 17, 2007

جمال مبارك في أول حوار لصحفي معارض! ا

فانتازيا




جمال مبارك في أول حوار لصحفي معارض ! ا


وسط ركام من صور الغرقى والعطشى والمدهوسين تحت منصات بلدهم بتتقدم بيهم، تمخض الجبل عن فأر الرغبة، لماذا لا أتحاور مع جمال مبارك؟ أرسلت بالطلب لمكتبه وفى اليوم التالى جاءنى الاتصال.


ــ ألو... أستاذ عازاز مساء الخير
< أهلاً ــ وبقلق ــ مين معايا؟ ــ الأول هل أنطق اسمك بشكل صحيح أم لا؟
ــ اسمى عزازى بك المهم أنت مين؟
. ــ أنا جمال مبارك ياعزازى بك.
تأكدت من جدية الصوت وحيادية المشاعر، إنه ليس أحد أصدقائى أصحاب المقالب.
< معقولة بالسرعة دى، على العموم أنا أشكرك. ــ الشكر لك أنت، لأنك طلبت حواراً معى رغم أنكم جرنال معارض.
< قلت بلغة المعارضة التليفزيونية: نحن نعارض المواقف والسياسات لا الأشخاص. ــ إحنا فى مركب واحد، ولو غرق حنغرق كلنا.
< أفهم من كده أن سيادتك موافق على الحوار. ــ طبعاً وفوراً، أمال اتصلت بك ليه؟
< طيب إمتى الموعد المناسب لحضرتك؟ ــ إن شاء الله غداً فى الحزب تسعة مساءً.
< معلهش يا أستاذ جمال، اعذرنى، بلاش الحزب. ــ ليه بقى؟
< نفسى أقابلك فى مكان بسيط وجهاً لوجه، رجل لرجل بلغة الكورة بعيداً عن منطقة نفوذك وهيلمانك. ــ يا سيدى زى ما تحب، حدد أنت المكان اللى يناسبك.
< بصراحة أنا لا أرتاح إلا فى قهوة الحاج سعيد فى شارع فيصل. ــ بس دى مسألة صعبة جداً، لأن المكان محتاج تأمين وإجراءات، وأنت فاهم الباقى.
< أنا عايز حوار مختلف، والإجراءات دى حتفسد كل شىء. ــ لا تنسى أنا معروف والناس حافظة شكلى.
< لا تقلق سعادتك، لم أنس هذا، فقد فكرت فى كل شىء، شوف يا سيدى أنت ممكن تغير فى شكلك بإضافة شنب مثلاً أو سكسوكة، وياريت تلبس ملابس عادية من فرع صيدناوى العتبة مثلاً، ولو غاوى المستورد ياسيدى، أطلع على وكالة البلح، وبعدين مش حقولك أركب ميكروباص فيصل من عبدالمنعم رياض، لا ياسيدى دلع نفسك على الآخر وأركب تاكسى، وقل له قهوة الحاج سعيد فرساى، ده أشهر من الملك فيصل نفسه. ــ والله مش عارف أقولك إيه، أنت فاجأتنى، بس كلامك برضه مثير ومغرى، حلوة قوى شنب وسكسوكة وهدوم من الوكالة وقهوة الحاج سعيد.

< يعنى نقول على بركة الله، ده أنت حتنور المنطقة من كفر طهرمس لشارع كعبيش. ــ لكن اسمع حسك عينك أى حد يعرف الكلام ده، المسألة مش هزار.
ــ الله ياجمال بك إحنا قد المسئولية، توكل على الله وإن شاء الله الحوار حيكسر الدنيا، أحسن من حوارات البيت بيتك.
نفسى أعرف مصر بجد، لأننى لا أعرفها
وفى الغد، وفى تمام التاسعة مساء الأربعاء 7 نوفمبر، كنت أجلس على مقهى فرساى (درة المطبعة والتعاون وحسن محمد) فى انتظار وصول الأستاذ جمال، قلق الترقب، وسخونة الاحتشاد الذهنى، وزحام شريط الذاكرة، ومراقبة ظل الثوانى والدقائق، تقترب الساعة الآن من العاشرة، ولم يصل جمال، توترت جداً، فطلبت الفنجان الخامس من القهوة السادة المغلية، وحاولت طرد الوساوس بكركرة عشر حجارة «سلوم»، كان صوت الدقات المتتابعة لقواشيط الطاولة، يزعج الجنين فى بطن أمه، الساعة الآن تقترب من الحادية عشرة مساءً، أخشى الاتصال بجمال حرصاً على أمن اللقاء، لأنى لو اتصلت سيعرف العادلى بالموضوع، وفى ثوان معدودة سيكون سكان فيصل تحت الإقامة الجبرية، وربما تعرضت حياة الوريث للخطر، لكن حدثتنى نفسى الأمارة بتأويلات النخب المحبطة.. لا ياعم، تلاقيه هو اللى اتصل بالأجهزة علشان يأمن نفسه، المسألة مش لعبة، ده راجل عاوز يحكم مصر، إيه يعنى لقاء صحفى مثير وكلام فارغ، بلاش إنه حيقول لحد من المسئولين الكبار، مؤكد أنه حيقول لخديجة، وطبعاً حتتشعلق فى رقبته، وتنقح بالصوت الحيانى: على جثتى يا جمال، مش ممكن أسيبك لأولاد عبدالخالق ثروت دول، مستحيل. ا

قطع سوء الظن توقف تاكسى (مهكع) صف ثالث بجوار المقهى، ونزول جمال، بالشكل الذى اتفقنا عليه، وقد أعطاه الشارب جاذبية شعبية خاصة، هرولت لاستقباله فهو لا يعرف شكلى بالطبع، ثم صحبته للترابيزة التى أجلس عليها، كان وجهه مشدوداً مكدوداً مطرقاً برأسه إلى أسفل، كمن وقع فى مصيبة، حاولت التخفيف مع الترحيب باستخدام اسم الدلع (جيمى)، كنت مشفقاً على حالته، يأكلنى الفضول لمعرفة ماحدث وسر التأخير لأكثر من ثلاث ساعات، لكنى قلت: الراجل يشرب حاجة ويستريح، ثم نبدأ الكلام والسؤال والذى منه، فطلبت له أغلى وأرقى المشاريب (الشاب ابن ناس برضه) وناديت دون استئذانه: واحد فخفخينا وشيشة تفاح بسرعة. والغريب أن جمال، بدا كأخ أصغر مطيع، وضع المبسم فى يد وبالأخرى حمل كوب العصير بالفواكه، .. دقائق معدودة، عاد فيها الهدوء إلى قسماته، فأرخى رجليه، وانطلق فى وصلة شد ونفخ وكح.
... ودون مباغتة وبأريحية خالصة بادرنى بالحديث:
ــ انت عارف أنا حاسس بإيه دلوقتى؟
< لا والله، بس متخيل بعض الحاجات. ــ سيبك من الخيال وكلام المثقفين والسياسيين واسمح لى الأول أناديك بالأخ أو بعز.
< والنبى بلاش عز صاحبك، خليها زيزو مثلاً، لأنه كان هداف فى مرمى الخصم، إنما عز بتاعك أهدافه فى المرمى بتاعنا. ــ ماشى يازيزو، أنا حاسس أنى اتفطمت النهاردة.
< إزاى؟ ــ كل اللى شفته النهاردة واللى عملته، كان لأول مرة، التاكسى والتكتك وهمفرس ومستشفى بولاق التعليمى والقهوة والشيشة التفاحة.
< على مهلك يا جمال بك وواحدة واحدة. ــ أقول إيه ولا إيه، وابدأ منين، ده كأن الثلاث ساعات دول عمر بحاله، .. أنا زى ما أكون خارج من تلاجة أو صوبة بلاستيك، وباشوف الدنيا لأول مرة، بعد ماعشت عمرى كله فى جو معقم زى غرفة عناية مركزة، الناس فيها زى الأجهزة والأسلاك والأنابيب والمونيتور، وكله شغال بالريموت كونترول... عمرى ما شفت حد هفتان من الجوع والمرض، أو مرعوب من مصاريف العيال، أو عنده استعداد يقتل علشان عشرة جنيه، أو عائلة نايمة كلها على الرصيف، وأنا عايش فى فرح منصوب 24 ساعة، زفة مستمرة، دايماً حواليا ناس بتضحك وبتصقف، وساعات أسمع زغاريد، طبعاً غير اليفط والميكروفات وعبارات الترحيب والنفاق، وكاميرات وفلاشات زى نجوم السينما، وأساتذة
جامعة على أعلى مستوى، بيقولوا كلام كبير.

... كان يتحدث بدون ترتيب، بتدفق شديد وأسى، لكنه فجأة انقطع عن الكلام ومال بظهره للخلف، وترك مبسم الشيشة على الترابيزة، ثم أسند خديه على كفيه، وخرج صوته محشرجاً.. أنا تعبان محتاج أى مهدئ.
.. ربت على كتفه، وناديت على الواد شريف: واحد ليمون بسرعة واجرى هات لى شريط موتيفال من الاجزخانة.. اقتربت بالكرسى أكثر وصرت ملاصقاً له حينما رأيته يضغط بأسنانه على فكه، ويئن بصوت واهن
.
< مالك؟ ــ صداع.. صداع، حيفرتك دماغى.
< لا سلامتك، أنت حتاخذ القرص وتشرب الليمون، وحتبقى عال.. اجمد ياراجل. ــ ماتخافش، أنا بعد شوية حابقى كويس.
< أنت جالك الصداع ده قبل كده. .. ضحك جمال بتهكم وقال: وده ييجى منين بقى، لا طبعاً
<عارف ياجمال بيه، أنت دلوقتى بتفكرنى بإيه.>
ــ إيه ياسيدى، بس أرجوك مش عاوز اسمع كلام فى السياسة والتوريث والكلام الفارغ ده.

< لا والله، ما تقلقش، أنا شايفك زى مايكون واحد طالع من جراحة صعبة وبنج، ودلوقتى فى حالة إفاقة. ــ يا ابن الأيه، بالظبط، أشكرك على هذا التشبيه، فعلاً أنا كده تمام.
< الحكاية لم تكتمل بعد ياجيمى، لكن قبل ما تكمل، أنت شايف ازاى قرارات المؤتمر التاسع للحزب الوطنى. ... زم شفتيه بامتعاض، ثم تحدث بلهجة جادة وحاسمة: أرجوك نحن الآن نتحدث عن مصر التى أراها لأول مرة، فلا تسألنى عن المعلبات.
< وماذا تقصد بالمعلبات ياهندسة؟ ــ الأول أحب أصحح لك، إسمها هندزة، كما نطقها سائق التاكسى الذى كدت أقبل يده ليرضى بتوصيلى لشارع فيصل من مصر الجديدة بعد ما قاولنى وأخذ الثلاثين جنيه مقدماً، كان طول الطريق ينادينى بكلمة (هندزة).ا
< المهم ياهندزة، تقصد إيه بالمعلبات؟ ــ أقصد كل الكلام الجاهز والقيادات الجاهزة والقرارات سابقة التجهيز، وكل ده علب متبرشمة ومختومة، يعنى ناس غير حقيقيين، وكلام غير حقيقى، وقرارات ليس لها علاقة بالواقع.
< كل ده سيادتك اكتشفته فى ثلاث ساعات. ــ ياراجل، أنا عارف حاجة!! ده أنا لسه داخل النهاردة (كى جى وان).ا
< يا استاذ جمال بلاش تواضع، رغم أنى محترم حالتك دلوقتى جداً. ــ ده أنت قلبت لى دماغى.
< والله ده شرف ياجمال بيه، بس لعلمك اللى حصل الليلة دى عدل دماغك مش قلبها. ــ عدل، قلب، مش هى دى المشكلة المهم دلوقتى عاوز أروح لأنى تعبان جداً، ومحتاج أنام. وبعدين لنا لقاء طويل، ومش لقاء واحد إحنا لازم نتقابل كتير.
< خلى بالك إحنا لسه ماعملناش الحوار، وكمان أنت لازم تحكى لى رحلة الثلاث ساعات. ــ مش الليلة دى، لكن باختصار شديد جداً جداً، أنا وقفت حوالى نصف ساعة، من مصر الجديدة، أقول فيصل، السواقين يجروا، لحد ما واحد وقف وطلب 30 جنيه للتوصيلة، وبعدها حصلت كوارث وسمعت من السواق بلاوى، لكن أهم حاجة أن واحدة ست حامل على آخرها ركبت معانا من العباسية ورايحة تولد فى مستشفى بولاق التعليمى. وهناك شفت أفلام أكشن، وركبت التوك توك من هناك ولف بى فى حتت عجيبة، همفرس والشوربجى وطهرمس لحد ما وصلت فيصل، وبعدين أخذت تاكس وجئت على هنا.
< وسواق التاكسى الأولانى راح فين؟ ــ لأ بقه ده موضوع لوحده محتاج مخرج وشركة إنتاج ضخمة.
< إيه يعنى فيه تمثيل؟ ــ تمثيل عمرى ما شفته، قال إيه، الست الحامل علشان تولد لازم بطاقة جوزها، وطبعاً لاجوزها موجود، ولا هى معاها بطاقة، إيه بقى اللى يحصل، إن السواق يقدم بطاقته جدعنة، على أنه الأب.. الحكاية طويلة.. ثم بدأ جمال يقهقه بصوت عال جعل الحاج سعيد صاحب المقهى، يأتى بكرسيه ويجلس معنا، فرحبت به، وقدمت له ضيفى، وقلت: الأستاذ (جمال حسنى) وفقط، ابتسم الحاج، وهرولت على أثر ابتسامته شلة القهوة، بخيت وعطية وعبدالفتاح وعبدالنبى وبغدادى، وكان جمال جالساً بأدب جم وآذان صاغية، وفى العادة تتشكك ثقافتنا الشعبية فى الغرباء الصامتين، وهو ما جعل الواد خالد يميل على أذن طارق ويقول له بصوت سمعناه: يعنى يا أخى.. جمال مبارك.. وما أن سمع جمال هذه القفشة حتى راح فى حالة ضحك هيستيرى، فضحكت وضحك كل الحضور، ومن بين قهقهاته مال جمال على أذنى: أنا عاوز شقة ايجار جديد فى فيصل، فملت عليه هامساً: بس بشرط تبطل موضوع الوراثة خالص.

فأشاح بيده.. ومين يقدر يحكم شارع فيصل أصلاً، لا ياعم أنا من بكره منسحب من كل مواقعى فى الحزب، لأنى محتاج عمرين قد عمرى علشان أعرف مصر.... وحينما توجس أهل الشيشة من حولنا الملامح الجدية فى كلامى مع جمال، ضحكت عالياً، ففهم الفولة، وقهقه معى، فقهقه الجميع، وأصابتنى نوبة من العطش الشديد أفقت بعدها على صوت زوجتى.. تنبهنى للاستيقاظ. ا