Sunday, November 18, 2007

تعذيب المتعة

تعذيب المتعة



«الحمد لله، أنا بخير وكل المعتقلين حالتهم ممتازة، ولا ينقصنا شيء، إدارة السجن وفرت لنا كل حاجة، ومعاملتهم علي خير ما يرام، بصراحة القعدة هنا أحسن من سجن البيت، ولا تنسي سلامي وقبلاتي لإكرام وطمئني أمي، وبالمناسبة الزنازين هنا نزحوا فيها ماء المجاري، ونحن نعاني بشدة، والسلام» كانت هذه رسالتي القصيرة التي بعثت بها عبر شاويش سجن المحكوم بطرة لزوجتي الصحفية المناضلة سوسن الدويك، لإصرارها أن تتلقي الرد علي الزيارة مكتوباً بعد حرمانها من رؤيتي، المهم أن سوسن التقطت بذكاء أن الجملة الأخيرة في الرسالة هي صلب الموضوع، وأن المقدمة الطويلة عن حسن المعاملة كان الهدف منها تضليل الشاويش، لأنه حتماً سيقرأ الأجزاء الأولي ويطمئن، وفي اليوم الثاني تصدر خبر تعذيب المعتقلين المحتجين علي مشاركة الصهاينة في المعرض الدولي عام 1995 صحف المعارضة، كان ذلك قبل دخول الموبايل والديجتال ولم يكن التعذيب قد تحول إلي موضة وروشنة، فتاريخ التعذيب بصرف النظر عن تطور أساليبه كان مرتبطاً بالحصول علي معلومات، أو ممارسة الضغط علي المتهم للاعتراف، لكن إشكالية التعذيب الآن أنه لم يعد بهدف التحقيق في وقائع، أو الإكراه علي الاعترافات، فالكثيرون تصدر بحقهم أحكام نهائية بالبراءة أو بقضاء مدة العقوبة، ومع ذلك يستمر التعذيب الذي لم يعد وسيلة بل هدفاً وغاية، فكل الحوادث والاعتداءات يتم التوسع في عملية القبض والاشتباه لتتخطي المتهمين إلي أقاربهم وذويهم وجيرانهم وأصدقائهم، أمهات وبنات وأبناء صغار السن، فالقضية توزن بالكيلو والاهتمام صار بالحجم، ومن المعروف في علم نفس الجريمة ثم أن التوسع في عملية القصة يدل علي عدم كفاءة أمنية، وأيضا عدم كفاية الأدلة، ومع ذلك يتعرض الجميع لجرعات من التعذيب تشيب لهولها الشياطين وليس هناك فروق بين المتهم الأول والعاشر، إذن فقد تحول التعذيب إلي هدف، ثم تحول بعد ذلك إلي متعة وفن، يمارسها فرد الأمن بمنتهي التلذذ والأريحية، يضبط كاميرا الموبايل، ويطالب الأخ الأمين عادة المشهد، ويظل يلقي بالأوامر كمخرج محترف: «عايز قفا أكثر ـ اضبط الخازوق شوية ـ اقطع حتة من لسانه وخليه يأكلها ـ التعليق من رجل واحدة يا غبي».. كليب لذيذ ومثير أكثرمن كليبات جاد شويري، لكن أصحاب فلسفة التعذيب بالتصريحات والتشريعات تضايقوا كثيرا بعد أن تحول التعذيب من وسيلة إلي غاية ثم إلي متعة، فلم يتوقعوا أن تصل الشفافية لدرجة التصوير والنشر والعلانية، ولذلك اخترع أهل التعذيب العلوي المادة 179 دستور، لأنها ستتيح أعلي درجة من السرية والإخفاء فالمعتقل من لحظة الاختطاف بالاشتباه العشوائي إلي يوم وفاته أوعودته لن يعرف أحد عنه شيئاً، وسوف يتلقي من الجرعات ما يجعله كالأخرس حتي نهاية حياته.

No comments: